الخميس، 13 أكتوبر 2011





خريف الإعلام المرئي بالمغرب
فاطمة كدو


لعله خريف طويل سيمتد إلى شهور عدة ،و ربما إلى سنين عجاف من اللامبالاة و اللامراعاة لمشاعر المغاربة داخل الوطن وخارجه. إنه إعلام لا يمت بأية صلة إلى هوية المغاربة و تاريخهم و ثقاتهم ودينهم. هذا القول يكرره المغاربة فيما بينهم كثيرا،و يتدمرون من مشهد إعلامي لا يمثلهم و لا يمثل طموحاتهم. ولا عزاء لهم أمام هذا الوضع سوى السباحة ضد التياربحثا عن قنوات أخرى يجدون من خلالها ما يغدي هذا النقص الحاصل في معارفهم و ثقافتهم،و أصبح الخط الوحيد الرابط بينهم وبين القناتين هو نشرات الأخبارعلى هزالة تحليلها للمواضيع المطروحة إخباريا.
و مادم كل المغاربة او جلهم ماهرون في السباحة  ضد التيار ،فإليكم نماذج من برامج أشقائنا العرب ، و لنقارنها بما تقدمه قناتينا .ففي قناة "دريم2" وحدها تحظى البرامج الدينية بتغطية طيلة الأسبوع،نذكر منها مثلا  برنامج:"الدين للحياة"و "طريق الهداية" و"عم يتساءلون" و"شهد الكلمات" و"الطريق إلى الله"؛ في حين تقدم القناة الثانية برنامجا يتيما واحدا لا يرقى إلى الأسئلة التي يطرحها المشاهد المغربي ،داخل مجتمع مكبل بعدة مشاكل’ ويعاني من اتساع الهوة بين معيشه اليومي و حياته الدينية. أ ما القناة الأولى فتقدم برنامجين خلال الأسبوع ،يغلب عليهما النمط التقليدي في عرض قضايا المجتمع و الإنسان. إن نموذج قناة "دريم2" يكاد يكون هو السائد عبر جل القنوات   العربية  من حيث الكم الهائل من البرامج الدينية؛ وتشكل تكاملا فيما بينها في كل قناة على حدة. بالإضافة طبعا إلىحضور الجانب الديني في مختلف البرامج الثقافية و الترفيهية والإجتماعية عندما تثار قضية اجتماعيةما، حيث يتم تناولها و استدعاء أهل الاختصاص للبحث فيها وتحليلها مثل قضية الهجرة غير الشرعية التي اثارت فتاوى عديدة،بعضهااعتبر غرقى هذه الهجرة شهداء،و آخرون يعتبرونهم غير ذلك، بل خارجين عن الشرعية. إن مثل هذه النقاشات تسهم في تبادل الحوار حول قضايا المجتمع، وطرحها للمعاينة المباشرة؛ فأين   مشهدنا الإعلامي من هذه المواقف الحوارية المنفتحة على الحياة و مشاكل الناس ؛ وقس على ذلك الفساد و الرشوة و الأمن الغذائي و القومي و التعليم والصحة. إنها مواضيع يتم ربطها بالدين  لإيجاد الحلول لها حسب الواقع و متغيراته على الأقل من وجهة أخلاقية –تربوية . هذا المستوى من النقاش غير موجود بقناتينا.
أما البرامج الفكرية و الثقافية،فالمشاهد يعاين هذا الغياب الفاضح  للمفكرين والمثقفين المغاربة، وكأن البلاد قد خلت من هذه النخبة. برامج باهتة المحتوى و الشكل ، و لاتسلط الضوء على قضايا الفكر و المجتمع التي تشغل بال هذه النخبة؛ والتي من خلالها يتم البحث عن إشكاليات المجتمع. إنه العجز الفكري للإعلام المرئي بكل مظاهره. إننا من خلال هذا الكلام وهذا القول نود الدعوة إلى إعلام مواطن ؛و المواطنة ليست فقط درسا يتعلمه الأطفال و الشباب في المدارس و الثانويات والجامعات  بل هي مدرسة ’يجب أن تبرز ملامحها  وأهدافها من خلال الإعلام المرئي،لأنه هو الصورة الحقيقية لحال البلاد و العباد ،و هو الرسالة التي من خلالها نطل –بثقافتنا و هويتنا- على الآخرين.
و تعتبر الجامعات و المعاهد المتخصصة ثروة و خلية للفكر و الإبداع، و مع ذلك يضرب الإعلام عرض الحائط بهذه الثروة المعرفية .و في مقابل ذلك نجد القنوات العربية  تخصص برامج حوارية يحضر فيها الطلبة ،كجمهور فاعل و متفاعل و ليس كمتفرج ،حيث يطرح الأسئلة التي تشغل بالهم بخصوص قضاياهم وقضايا المجتمع على من يهمه الأمر من الضيوف؛ وكمثال على ذلك برنامج "حالة حوار" بالفضائية المصرية و "فيتامين" بقناة دبي و اللائحة طويلة طبعا. أما البرامج التي تعالج إصدارات الصحف  و ما تتناوله من مواضيع و تحليلات’من أجل تقريبها إلى المواطن و إشراكه في مواد هذه الصحف الوطنية و الجهوية ،و خلق بالتالي نقاط تواصل تربط المواطن بعالم الصحافة، فهي منعدمة على العموم و موسمية أحيانا أخرى. أما في القنوات العربية ذات المشاهدة المكثفة و التي تحترم مشاهديها، فسنجد برامج ناجحة جدا، تهتم بالقضايا المطروحة في الصحف نقدا و تحليلا، نحيل مثلا على برنامج "قلم رصاص"بقناة دبي"و "الطبعة الأولى"بالفضائية المصرية وغيرها  و التي لا يسع المجال لعرضها كلها.كيف يمكن إذن معالجة هذا الكسل الإعلامي ؟هل من حلول جذرية؟ هل من معالجة تصويبيةلهذا الاتجاه المعاكس لإعلامنا المرئي؟إن الأمر يحتاج إلى خريطة طريق ،تعيد هذا المشهد الإعلامي إلى جادة الطريق، أي طريق المواطن والمواطنة،و المسؤولية؛لأن الإعلام المرئي لا يتحدث إلى نفسه أمام مرآة، بل هو موجه إلى مخاطب مفترض. وبالتالي فإن المشهد الإعلامي بالمغرب عليه أن يتشبع  بروح المواطنة . و ليس المقصود المواطنة في إطارها الضيق المحلي، بل،  تلك المواطنة الإنسانية التي تتخذ من المحلي محطة إقلاع نحو الإقليمي و العالمي،بحثا عن المشترك الإنساني ، ولن يتم ذلك إلا بقرار سياسي جرئ و فعال.عندها فقط يمكن أن نكتب عن ربيع الإعلام المرئي بالمغرب ،و إلى ذلك الحين نرجو لكم مشاهدة طيبة مع باقة القنوات العربية الجادة التي لا تخفى عليكم عناوينها.

ليست هناك تعليقات: